السيد عبد الأعلى السبزواري
289
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الإرادة الخلّاقة إلى إيجاده بدون أسباب ومعدّات ظاهريّة ، وإلا فإن جميع أفراد الإنسان يوجدون بكلمة اللّه تعالى وإرادته التكوينيّة ، ولكنهم يوجدون بالأسباب العاديّة ، بخلاف عيسى فإنه وجد من دون تلك الأسباب العادية ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ سورة النساء ، الآية : 171 ] ، وقوله تعالى في آخر هذه الآيات : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وهذا الوجه هو الصحيح وتؤيّده ظواهر الآيات الشريفة وبعض الأحاديث . وقيل : إنّ المراد منها المسيح عليه السّلام باعتبار أن الأنبياء السابقين بشّروا به بعنوان أنه هو الذي ينجي بني إسرائيل ، فيكون نظير قوله تعالى في ظهور موسى عليه السّلام : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ سورة الأعراف ، الآية : 137 ] ، وأيّد ذلك بما ورد في كتب العهدين في شأن المسيح عيسى بن مريم . ويردّ عليه : أن ظاهر القرآن الكريم أن المسيح اسم للكلمة التي أوجدها تعالى ، لا أن يكون اسما للكلمة التي تقدّمت البشارة بها ، مضافا إلى أن ظاهر قوله تعالى في المقام بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أن عيسى ابن مريم هو بنفسه وقع مورد البشارة ، لا أن يكون مبشّرا به . وقيل : إنّ المراد بالكلمة نفس البشارة ، والأخبار بحمل مريم بعيسى عليه السّلام وولادته منها ، أي : ويبشّرك ببشارة هي ولادة عيسى من غير أب . وفيه : أنه خلاف ظاهر الآية الشريفة . وقيل : أن المراد بها عيسى باعتبار كونه موضحا لمراد اللّه تعالى في التوراة ، ومبيّنا لتحريفات اليهود وما اختلفوا فيه ، كما حكى عنه عزّ وجلّ : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [ سورة الزخرف ، الآية : 63 ] . وفيه : أنه لا يلائم ظاهر الآية الشريفة .